اللون العاطفي للنحات هيثم حسن

المقاله تحت باب  محور النقد
في 
13/10/2007 06:00 AM
GMT



انطلقت منحوتات هيثم حسن الأخيرة لجسد المرأة من تأمل شبه ايروتيكي نازعت فيه المرأة فيه من أجل أن تكون أكثر وضوحا وتحديدا في الشكل والحجم والوضعيات .  بدأ ذلك بين عامي 1996 و 1998 حين جمع الفنان ما بين المرأة والرجل في صراع رمزي استبدلت فيه الدلالات ( كان قد استبدل دور الرجل بالثور أحيانا) . في هذه التجارب ظهر الآتي : بدا الرجل منهكا ، غير محدد بوضوح ، وتفاصيله الجسدية ناقصة ، وكتلته العامة مندمجة بكتلة المادة( البرونز ) العائدة لقاعدة العرض ، حتى الثور البديل المعروفة رمزيته الثقافية في حضارة وادي الرافدين جيدا ، ظهر خائرا مذهولا، فيما ظهرت المرأة جسدا كاملا حرا وفخورا ، بتفاصيل محددة وواضحة.
 

تبدو هذه النتيجة غريبة، لكأنه موضوع تقييم حازت فيه المرأة رتبة مميزة وتحديدا واقعيا، وخسر فيه الرجل موقعه المميز المعروف . اختزل الفنان في حدود هذا الموضوع وضعيات وتعابير وايماءات تمجد جسد المرأة العاري ، وتؤكد انتصارها. وبصرف النظر عن مقاصد الفنان الحقيقية ، فقد تولد هذا الموقف من غريزة مشبعة بحب الحياة والجمال وجهت أنظارها الى احتياجها الشخصي وأشاحت النظر عن الاجساد الشبحية التي أشيع عن أنها تمثل الانسانية بالمعنى العام والمثالي.  فتلك الأجساد المجردة الغريبة ، الذكية والبلهاء ، المتوفرة في الرسم والنحت العراقيين بكثرة ، وإن ارتبطت بأفكار لها تاريخ عند جماعات المثقفين العراقيين ، فهي لا تخلو في الحقيقة من تحايل رقابي بإخفاء العري بعري وجودي تختفي فيه الهوية الجنسية للجسد.

 كانت جرأة عدد من الرسامين والنحاتين العراقيين على بث الخلل في هذا التقليد  يشير الى أن الافكار شبه الوجودية قد أصابها الصدع، والروح الرقابية خسرت مواقعها . إن شابا مملوءا بالحيوية والتهكم مثل هيثم حسن سيفضل أن يجرب ويتذوق ثم يحكم. تلك هي الخطوة الأولى .     

تكمن وراء هذه النتيجة صراع الفنان هيثم للتحرر من مراجعه الفنية السابقة ، ولاسيما تأثيرات محترف أستاذه اسماعيل فتاح الترك . والمعروف إن الأخير اتخذ الجسد الانساني الشخصية الاساسية في النحت ، وتكمن قوته في الاختزال الشديد والتركيز على الجوهري من التعبير الانساني. بيد أن النحت العراقي كله ، مع بعض الاستثناءات ، تمسك بميل شبه دائم الى التشخيص ، وباعتماد الجسد الانساني كله أو أجزاء منه كوحدة طبيعية ذات كفاية عدت تمثيلا رمزيا للانسان بمحنه وأوضاعه . هذا التقليد، مع تأثر بجماليات النحت السومري ، رسّخ تلقائيا تعبيرية اختزالية تقاسمتها تجارب العديد من النحاتين ، وظلت متداولة فيما بينهم كإرث مشترك . وهكذا يبدو أن محترف الاستاذ مؤسس على تقاليد محلية. 
 
إن المقارنة بين التلميذ واستاذه تبدو لنا نافعة ههنا : فبينما كان الاستاذ الترك يلمّح ولا يصرح في تماثيله العارية القياسية، رافضا الوضعيات الحركية والعلاقات الروائية ، لم يلزم هيثم حسن نفسه ، وهو الخارج من محترف أستاذه ، الا بحاجاته الروحية والجمالية ، وبانفتاح يقظ على تنوع الاشكال والوضعيات وتعدد المواد مع شيء غير قليل من المرح .
 

أما على مستوى التضمينات الايروتيكية لأعمالهما فقد كان الترك مستحيي ولا نكاد نميز من بين الجسديات العديدة التي خرجت من محترفه الفني جسدا انثويا واضحا بينها. لقد نحت ثديين وألصقهما على جدار وأوقف شاخصا على مبعدة منه في عري ذابل مرتجف: إنها ايماءة وحسب إذن . اختزال المرأة ودفع الرجل الى عري وجودي خالص.

 هيثم حسن على العكس ، ففي تجربته الأخيرة أشاد للمرأة متحفا احتفاليا، بعد أن كان في تجارب سابقة قد منحها جسدا ايجابيا متفاعلا .
 
عد هيثم حسن خبيرا في تقنيات إعداد قوالب الأعمال النحتية وصبها بالبرونز ، ففضلا عن تنفيذه لأعماله بيديه ، كان النحاتون يستشيرونه في تنفيذ أعمالهم ولاسيما الترك نفسه. بيد أن الفنان شعر أن مادة البرونز التي حظيت في العراق باهتمام استثنائي لم تعد تستجيب الى انفعالاته السريعة المتبدلة. كان على حد تعبيره قد شعر بالملل من مادة "عظيمة " كالبرونز ، عرف التعامل معها ، وعرف " طبيعتها المتكبرة " بما جعله لا يريد أن يعرف المزيد . إن الملل واحدة من الكلمات الممتازة في قاموس هيثم حسن ، وهي تعني : سوف أغادر !
 
 لقد اقترن كل تغيير فكري وفني عنده بتغيير تقني محسوس أو غير محسوس، وليس مهما من يتقدم من ، فهو كلما وجد نفسه في مشكلة بحث عن حل لها، وكلما توصل الى اكتشاف فكر بالطريقة المناسبة لتقديمه . إن الملل قد يضع أمامه مشكلة لكنه اعتاد حدسيا أن يماثل ملله بالقلق النفعي الذي يقوده الى بحث ومخرج جديدين . حسن .. إنه يصنع تماثيل تعبر بكتلتها ووزنها المرئي عن لحظة تعبير خاصة ، لحظة انفعال، لكن ماذا لو غير من مادة تماثيله؟
 

ابتداءً من قيامه بتنفيذ منحوتات تجريدية بدت مثل اختبار لمادة تركيبية صناعية وإمكاناتها في التعبير عن نفسها، انغلاقها ، كثافتها ، كيف يتوزع عليها الضوء ، ما الذي تخفيه إذا ما توزعت على عدد من الوحدات ، اكتشف امكانيات جديدة في مادة قد يخدعنا مظهرها المتماسك الصلد والمنغلق . لقد تحقق الفنان من هذه المادة واكتشف مرونتها وصلاحيتها لاظهار التعبيرات الدقيقة التي نجدها في الأجساد والوجوه والرؤوس والعلاقات ما بينها. بيد أن هناك مشكلة بالرغم من كل النتائج الايجابية : "إنها سوداء تمتص الضوء .. يا لعتمتها "!

 تحليل الفنان لهذه المشكلة يبدو مثيرا : فالمادة تركيبية صناعية ، فلماذا لا نمعن في التركيب بإسقاط تركيب إضافي خارجي عليها؟
 
المهم عند هيثم هو الاخلاص للونه العاطفي. وفي حدود المشكلة الجديدة تعرف الفنان على ما تفعله الكتل في نشاطها الفضائي أولاً، ثم إمكانية ظهور نتيجة فنية جديدة إذا ما اندست الكتل نفسها في جلد جديد ثانياً. لا يرى الفنان أن الجلد يمثل جسدا ، بل هو يتابع تعاريج الجسد وتعابيره البنائية. إن الكتل الجسدية الأصلية ستحافظ على تماسكها الذاتي والتعبيري العام ، ذلك هو الأصل ، ومهمته هي أن  يجعلها ترتفع الى الأعلى في فكاهة ما ، في حذلقة ما ، في تفسير أو تأويل من طبيعة عاطفية، وذلك عن طريق "تغيير جلدها " . ألا يحدث هذا في الحياة الاجتماعية على نحو دائم ؟ . كان الترك قد نحت شاخصا تحول وجهه الى قناع ، ومن المفهوم أننا نتعرف هنا على لون من ألوان التحليل الفني والدلالي اللغوي ، وبالقياس الى هذا التحليل يمكن القول أن هناك اقنعة عديدة خاصة بالجسد وما يقابلها من أساليب في نزعها : غطاء لون ، زينة ، وشم ، لباس ، ثخن إضافي من الصبغة ، ترقيع جسد يؤشر الى جسد سابق ويكشف عن وجوده . هذا ما فهمه هيثم بغريزته التي تبحث عن الوضوح .
 

 لقد مارس الفنان في منحوتاته إذن دورا جديدا ، فهو الآن خياط ألبستها ، مرقع تعابيرها ، وملصّق العلامات التي تنسجم مع ذوقها الافتراضي ، وملون أجسادها ، ومن يتستر على فتنتها أو يكشفها ، يبالغ معها ، يتحفظ ، يتسلى ، يرفع الكلفة ، يستسلم للاغراء . وعلى الجملة منح الفنان صورة جديدة ظاهرة لشخوصه سواء عن طريق اسقاطاته الذاتية أو تحليل طبيعة الشخصية التي ينحتها من حيث الحجم والتعبير العام .

وقد أمكنه بسبب هذا التمييز اللوني الإضافي من خلق لقاءات بين شخوصه تتصف بالحميمية وليس بالصراع كما حدث في تجربة قديمة أشرت اليها ، فضلا عن تعدد الوضعيات التي تمتاز بالعاطفة والحركة .
 
لست أظن أن مشكلة لون المادة الأصلية للمادة حلت بهذه الوسيلة بل إن التجربة الجمالية نفسها اتخذت مسارا وبعدا آخر كان الفنان في انفعاليته وحيويته وطريقته في الاستجابة مستعدا لها . والحال إن إكساب جلد جديد لمنحوتاته لم يقلل من نشاط كتلها في التعبير الفضائي ، كما إنها حافظت على وقارها الذاتي حتى وهي تنفتح الى الخارج بسبب اللون ، بل لعلنا سنلاحظ إن هذه التجربة أطلقت شهية الفنان في اقتراح كتل تعبيرية جديدة وتحديدات شكلية تضافرت مع اللون في توليد أحاسيس واستجابات جديدة.  
 

 تجمع التجربة الأخيرة للفنان التي أطلق عليها اسم (موديلات) انجازات وتعابير التجربة السابقة من حيث الحساسية اللونية ووضوح الكتل وتعبيريتها الحسية الانثوية . وقد أثارت تساؤلا بسبب اقترابها من فن (الفاترينة) ، ولعل حجمية الموديلات القياسية المتكررة أعطت مثل هذا الانطباع المباشر ، الا ان المتأمل في تقنيتها والمعالجة التي خصها الفنان لكل موديل منها بما ميز فرديتها، يستنتج أنه ازاء تجربة نوعية فيها الكثير من التنوع والجاذبية والثناء المكرس للجمال وللمرأة.

والحال إن الفنان استوعب مشكلة الانتاج القياسي الناتجة عن اقتصاديات الكلف التعبيرية المعروفة ، فضلا عن طبيعة الادراك البصري المباشر الذي تفلت منه التفاصيل بسبب هيمنة الهيئة العامة للاشكال. من هنا عامل موديلاته بوصفها مجموعة من الشخصيات المميزة لكل منها فرديتها. ومن أجل هذا الهدف اختار لكل موديل معالجة تقنية وتعبيرية خاصة ، لونا ، مجموعة الوان ، هارمونيات ، متضادات ، كولاج من قماش أو تطريزات ، تركيب درع شفاف ، أغطية رأس ، صبغة ثخينة، تحليل بنائي للجسد وقص أجزاء منه ، فتح الجسد والدخول اليه وتغييره . وعلى الجملة  بات لكل موديل جسدا خاصا ، هوية مركبة من مواد مختلفة وتعديلات بنائية وتشريحية خاصة، وجلد جرى معاملته كسطح . ومن الواضح إن الفنان لم يخش ممارسة اسقاطاته السيكولوجية على هذه الجسديات ، وهو يخفيها أو يعلن عنها بالمواد التي تؤسس هويتها الجديدة ولربما تنكرها المبهم والساحر .

 عندما اجتمعت هذه الموديلات في صالة العرض راحت الانطباعات البصرية العامة تقترح اسماء لهذه الشخصيات النسائية حسب مظهرها ومميزاتها : فهناك المرأة الرمادية ، وتلك الفضية ، المرأة الحديدية ، الصفراء المبقعة ، العرجاء ، الخشنة ، الناعمة ، صاحبة الدانتلا المشجرة ، الزرقاء بغطاء رأس شفاف ... الخ
 
إن واحدة من الحلول التي يقدمها الفنان في عرض هذه الشخصيات هي اجراء تنسيق بنائي وشكلي بينها وبين القواعد التي تقف أو تستند عليها، تنسيق يقوي هويتها الفردية وينشط من تفاعلها الفضائي. والحال إن بعض هذه القواعد وهبت للمنحوتات بيئة للعمل والعرض والنشاط ، وبعضها مارست وظيفة بنائية تركيبية فظهرت كجسد قرين أو مثوى للجسد الأصلي أو مرآة عاكسة . لقد امتازت هذه الحلول بالابتكار بوجه عام .
 

ساعدنا الفنان في تجربته الأخيرة في التعرف على كيانات جميلة مركبة من عدد من المواد بالاقتران مع عدد من الاجراءات والمعالجات . إنه يذكرنا بتوليده للهويات الفردية من عدد كبير من الاجساد والوحدات ، بالهوية الجديدة المتعددة التي تعطينا اياها التجربة المعاصرة المفتوحة . إن عرض الانوثة الأخير يعلمنا بعض الدروس عن كياناتنا بوصفها وحدة من التعددات- وحدة ما زالت تحتاج الى أعمال تنسيق وربط واكتشاف لكي تنسجم وتنشط .